الشيخ محمد الصادقي

519

البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن

16 - وَلَقَدْ خَلَقْنَا هذا الْإِنْسانَ وَ الحال أننا نَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ فضلا عن علومه وأعماله ، فهلا نقدر على خلقه مرة ثانية كأول مرة وَنَحْنُ بكافة القيوميات أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ الحبل الكائن في الحلقوم ، وبقطعه تقطع الحياة بأصلها ، فهو تعالى أقرب إلى الإنسان من أصل حياته إليه ، قربا قيوما ، لا مكانيا ولا زمانيا و " اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ " ( 8 : 24 ) . 17 - ومن ذلك القرب الأقرب إِذْ يَتَلَقَّى الملكان الْمُتَلَقِّيانِ الأعمال لإلقاءهما إياها يوم تقوم الأشهاد ، وهما عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ معكم ، " عَنِ الْيَمِينِ " لتلقي الصالحات " وَعَنِ الشِّمالِ " لتلقي الطالحات : " وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ . كِراماً كاتِبِينَ . يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ " ( 82 : 11 ) كما يعلمه كافة الشهود الربانية بما علمهم اللّه . 18 - ما يَلْفِظُ الإنسان وأي مكلف كان مِنْ قَوْلٍ وفعل إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ يراقبه عَتِيدٌ في رقابته ، إلقاء لشهادته التي راقبها ، فهما - إذا - واحد ، حيث " عَتِيدٌ " وصف لرقيب ، ف " رَقِيبٌ عَتِيدٌ " جنس يشمل مع " الْمُتَلَقِّيانِ " كل شاهد للأعمال والأقوال ، ابتداء من اللّه : " إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً " ( 4 : 1 ) وانتهاء إلى الأعضاء العاملة والأرض بأجوائها ، وبينهما سائر الرقباء : ملائكية وإنسية ومن أشبه . 19 - ثم وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ سببا وغاية ومعية ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ حيادة الفرار . 20 - ثم بعد انقضاء البرزخ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ نفخة الإحياء بعد نفخة الإماتة ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ . 21 - وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها في مجيئه إلى المحشر سائِقٌ يسوقه إليه وَشَهِيدٌ يشهد له أو عليه . 22 - ويقال لها لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا الذي تراه هنا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ بذلك البعث ، مما يدل على أنه كان معه يوم الدنيا ولكنه كان في غفلة منه فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ يرى ما كان في غفلة عنه . 23 - وَقالَ قَرِينُهُ : رقيب عتيد هذا المغفول عنه ما لَدَيَّ عَتِيدٌ إذ كنت عليه رقيبا . 24 - ثم يقال للمتلقين أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ في كفره ، أو هما السائق والشهيد قاعدين على الشمال . 25 - مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ أيا كان ، عن نفسه وعن غيره مُعْتَدٍ كذلك مُرِيبٍ نفسه وغيره في شك كأنه مسنود إلى دليل . 26 - الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إذا فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ كشدة كفره وعناده . 27 - هنا قالَ قَرِينُهُ في كفره حيث أضله رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ مستقلا وَلكِنْ كانَ هو أيضا فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ فدعوته إليه كما كان . 28 - قالَ اللّه حينئذ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ الموعود ، كلا على قدر ضلاله وإضلاله . 29 - ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ أيا كان مني لَدَيَّ هناك وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ألا أجازيهم يوم الجزاء ، أو أظلمهم في جزاءهم ، أو أخلد الكفار العنيد إلى غير حد . 30 - وذلك يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ من أهليك وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ لكثرة أهليها وسعتها . 31 - وَأُزْلِفَتِ قرّبت الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ عن جهنم ، ولذلك يتقاولون مع أهل الجحيم . 32 - هذا ما تُوعَدُونَ من الجزاء الحساب لِكُلِّ أَوَّابٍ رجوعا إلى اللّه حَفِيظٍ إيمانه باللّه . 33 - وهو مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ غيب الرحمن ، وغيبه عن عباد الرحمن ، وبغيب قلبه وَجاءَ ه بِقَلْبٍ مُنِيبٍ إليه . 34 - ويقال لهم ادْخُلُوها بِسَلامٍ من اللّه ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ . 35 - لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها دون حد وَلَدَيْنا مَزِيدٌ .